| هل صحيح أن أبو لهب هو عم الرسول الاعظم ؟
|
|
د بلقاسم عمر أصميده |
22/12/2009 |
|
من السور المهمة والخطيره التى سجل فيها تاريخنا المقروء مغالطات غير مقبوله ولا منطقيه ، سورة المسد ، فهى تبدأ بالآية الكريمه ( تبت يدا أبى لهب وتب ) وفى الكتب قيل أن التب هو الخسران أى خسرت (يدا أبي لهب) ، وعبر عنها باليدين مجازا لأن أكثر الأفعال تزاول بهما وهذه الجملة دعاء ، وتب تعنى خسر وأهلكه الله ، وقد هلك ، ( ما أغنى عنه ماله وماكسب ) ، والرواية تقول : إن أبولهب لما خوفه النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب ، قال : إن كان ما يقول ( ابن أخي ) حقا فإني أفتدي منه بمالي وولدي ، وأمرأته ( أم جميل ) حمالة الحطب الشوك والسعدان !! الذى كانت تلقيه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم (في جيدها ) فى عنقها حبل من مسد ، أي من الليف وهو مستخلص من جذوع النخيل ، هكذا قيل فى كتب التاريخ ، ولكن لنأتى للسورة الكريمه ونحاول الاقتراب من معناها بعيدا عن هذا الذى يُقال ، سنلاحظ أن هناك ثلاث دلالات فى غاية الاهمية فى أول آيات هذه السورة ذات الخمس آيات ، ففى الآية الاولى نلاحظ عدة مؤشرات أولها : أن هناك إشارة واضحة وتخصيص لليد ( تبت يدا أبى لهب وتب ) وهو ذم لليد بما تحمله من دلالات قوية ورمزيه للكتابة والخط والتزوير ، وفى القرءان وردت الإشارة المباشره لليد كرمز لتحريف ما أنزله الله ، فالآية التاليه توضح أن هناك وعيد وتهديد إلهى بالويل والعذاب الشديد لمن يكتبون بأيديهم ويزعمون أن ذلك من عند الله ، وهذه إشارة واضحه على المعنى الكامن فى ما أوردته الآية عن اليد وتخصيص التهديد والوعيد لها كرمز على تزوير كتاب الله وكان بنو إسرائيل يفعلون ذلك ، ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون )، ونلاحظ فى الآية ان الويل ذُكر مرتين ، واليد ذُكرت مرتين ، وتم الربط بين ماتكتبه اليد والكسب ، فاليهود كانوا يحرفون كلام الله ( افتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقُ منهم يسمعون كلام الله ثم يُحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) ، وكانوا يحرفون الكلم (عن مواضعه ) ، ويحرفون الكلم ( من بعد مواضعه ) ، ثم ان الآية التى توعد فيها الله اليهود بالويل لاستخدامهم أيديهم فى كتابة الكتب بأيديهم ثم يزعمون بأنها من عند الله ، أشار الله فيها الى مايكسبونه من أموال نتيجة لذلك التحريف والتزوير، وهى نفس الاشارة الوارده فى سورة المسد ، ( تبت يا ابى لهب وتب ، ما أغنى عنه ماله وماكسب ) أى ان هناك ربط قوى بين ماتفعله الايدى من تزوير وكذب على الله ، وبين الكسب المادى الحرام المترتب على ذلك ، والذى جعل الله عقابه الويل والثبور، ( ... وويل لهم مما يكسبون ) ، فاليهود كانوا يتاجرون فى كلام الله وآياته ( اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ) ، وقال الله فى كتابه العزيز ( وإذ اخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتُبينّنّه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون ) ونلاحظ كيف حول اليهود كلام الله الى بيع وشراء ، فاليهود كانو يكتبون بأيديهم الكتاب ويحرفونه ثم يقولون هذا من عند الله ليكسبوا به الاموال ، من هنا نلاحظ ان الربط بين أبى لهب الذى عنته السوره ، والقول بأنه عم الرسول صلى الله عليه وسلم أمر غير دقيق لعدة أسباب منها: إن الدين الجديد جاء لتعظيم مكانة قريش من بين جيرانها، ولتعظيم شأن مكه والإعلاء من شأنها وقدرها بين القبائل وهو أمر لن ترفضه قريش ولن يعترض عليه أقرباء رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات ، ثم إن التاريخ الذى يقول بأن أبو لهب هو عم الرسول ، هو نفسه الذى يحدثنا بأن قبائل العرب كانت تتفاخر وتفرح بولادة شاعر فيها ، او فارس او مبارز او مشاء ، او قصاص للأثر او كاهن او طبيب او متحدث خطيب ، او رّكاض كثير العدو وسريع الجرى ، او حكاء من الرواة او ضارب للودع او الرمل أو غيرذلك أو قوى البصر،وكانت العرب تتفاخر بأبنائها هؤلاء ، فكيف إذا قال أحدهم بأنه يملك خبر السماء بالتأكيد ستحتفى به أيما إحتفاء ، ولن يعاديه أهله ، بل لقد جرت العادة أن تحمى القبائل العربيه أبنائها ظالما أو مظلوم ، وكانوا يحتمون بتقاليد صارمه مؤسسه على النصره والنخوة ، فلا يسألون اخاهم - كما قال الشاعر - حين يندبهم ، فى النائبات على ماقال برهانا ، وكانوا عُصب متلاحمه فإذا غضبت عليك بنو تميم - على سبيل المثل لا الحصر - حسبت الناس كلهمُ غضابا ،كما قال الشعر ، وهذه المعطيات الاجتماعيه تجعل من معاداة عم الرسول لإبن أخيه مسأله محل شك وحيره ، فأمر الدين عند أقارب نبينا أمر ليس مثير فى مكه وضواحيها ، فالعرب فى مكه المكرمه كانوا محاطين باليهود والنصارى والحنفاء أتباع نبيى الله إبراهيم عليه السلام ، وأتباع الجبريه ، والدهريون ، وناكروا البعث ، والزنادقه ، وناكروا إرسال الرسل ، والصابئه ، ومن يقول بالرجعه والإستنساخ والنسخ ، والإختياريون ، والوثنيون ، واللادينيون ، وكانت مكة نقطة جذب وحوار مستمر وجدل دائم بين الكفر والإيمان ، وكان لها موقع هام ، فهى أم القرى ومركز العبادات والطواف وبها جبلى الصفاء والمروة ، وهما جبلان صغيران قرب الكعبة من جهة الشرق وهما من معالم دين الله الظاهرة التي كان الناس بها يتقربون لله فى السعى بينهما منذ القدم ، وذكرهم القرءان فقال الله تعالى : ( إن الصفاء والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو إعتمر فلا جُناح عليه أن يطّوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ) ، وكان بعض العرب وغيرهم وكذلك أتباع الحنفيه يطوفون بالصفاء والمروة بعد ان يطوفوا بالبيت العتيق فى عباداتهم ، وهو ما أكسب مكه وسكانها مكانة مميزه ، وقد عزز من مكانة الكعبة أحداث عام الفيل الذى كانت ذكراه قريبه وقت البعثة المحمدية ، وكانت اليهود والنصارى تعرف أن هناك رسولا سياتى وكان كل الناس يترقبون شروق النور ، فكيف إذا عرفت قريش ان هذا النور وهذا الإختيار الإلهى سيكون منها ، بكل تاكيد ستقف معه وستؤازره وخصوصا من قبل أهله والمقربين منه وعزوته ورجاله ، لقد أشار الكثير من الدارسين الى ان الناس على معرفة قبل بعثة رسولنا محمد ( صلعم ) بان هناك رسل وانبياء قد ارسلهم الله لهداية الناس ، وان العالم يعرف ذلك ، فالإمبراطوريه الرومانيه التى كانت تسيطر على أجزاء كثيرة من ارض العرب كانت تدين بالمسيحيه ، والكنائس منتشرة فى أماكن كثيره ، واليهودية معروفه وموجوده فى كل مكان فاليهود فى المدينه واليمن والشام معروفين ، وكذلك التجار والاسواق التى تظم مختلف الملل ، ثم ان كثيرا من العبادات الاخري كانت موجودة فى جزيرة العرب ، وكان الحديث عن رسالة السماء المنتظره أمرا يعرفه الكثيرون ويتوقعونه ، وخصوصا اليهود أصحاب الكتاب ، لذلك فإن بعثة رسولنا كانت مسالة متوقعه وينتظرها العارفون وغيرهم ، بالاضافة الى صفات النبي الانسانية وأخلاقه وخُلقه وسلوكه وصدقه مع كل الناس قبل البعث , وهى أمور تجعل من معاداة عمه له أمرا محل شك ، فالأعداء الوحيدين لهذا الدين الجديد هم بنو إسرائيل لأنه سيُنهى ويُبتر الإتصال معهم ويغلق أبواب السماء فى وجههم ، ويُنهى الإختيار الخاص بهم من قبل الله سبحانه وتعالى لهم ، الإختيار الذى ذكره القرءان : ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) ، وقال فى تفضيلهم أيضا : ( يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمتُ عليكم وانى فضّلتكم على العالمين ) فيا نسل يعقوب تذكَّروا أني إخترتكم وفَضَّلْتكم على الخلق بكثرة الأنبياء ، والكتب المنزَّلة كالتوراة والإنجيل ، فنزول الوحى الإلهى عند غير اليهود مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم ، وهو أمر يجب القتال دونه مهما كلف الامر فى عقلية اليهودى ، من هنا ندرك لماذا هذا العداء والتعنت والرفض للرسالة المحمديه ، والكذب عليها والتشويش على تاريخها وحقيقتها ، ولأن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم هى القرآن الكريم ، وهى التى هدت الناس ليس بالمعجزات المادية التى تجعل العقل يستسلم ويحتجب عن الرؤية والفهم ، بل بالعقل والفكر والنظر فى الكون والتأمل ، لذلك فإن النظر الى كلمات القرءان بالتمعن والدقه واخذها بجديه كامله مسألة ملحة وضرورية لفهمه ، ولفهم الخطأ من الصواب ، فالقرآن لا لبس فيه وهو متاح امام الجميع ويستطيعون فهمه وادراك معانيه واستخدام كل المعرفة والمعلومات المتاحة لاكتشاف معانيه الإلهية السامية ، التى هى ليست طلاسم معقده او كلمات متقاطعه ، بل جاءت بلسان عربي واضح لا إعوجاج فيه ولا لبس ، قال تعلى ( إنا أنزلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون ) ، وفى سورة الشعراء قال الله فى وصف القرءان بأنه ( بلسان عربي مُبين ) ، وقال عنه جل من قال : ( قرءانا عربيا غير ذى عوج لعلهم يتقون ) ، وقال ايضا : ( كتاب فصلت آياته قرءانا عربيا لقوم يعلمون ) ، وقال تعالى : ( إنا جعلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون ) ، فكلمات القرءان تجعل من فهمه أمرا يسيرا ، بل ومتيسرا ،إذا تم التفكر والتدبر فيها ، ( ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مُدكر) ، وهى دعوة لفهم معانيه وقراءته بتمعن ، من هنا نرى أن فهم سورة المسد يذهب فى إتجاه آخر غير الذى تقوله كتب التاريخ ، فهى تتحدث عن التب وهو المنع والحبس والحؤول بين الايدى وقيامها بأعمالها ، وحبسها وكبح جماحها فى العمل ، وقد عرفنا ماهو العمل السىء الذى كانت تقوم به الأيدى الكافره ، وعرفنا إنه كتابة الكتاب السماوى بأيدي أحبار اليهود ثم يقولون هذا من عند الله ، وهذا مافعلته اليهود ، كما قالت الآية الكريمه ، وهنا جاء القرءان ليقول إن تلك الأيدى لن تفعل فعلتها السيئة مجددا لأن الله سيحفظ كتابه العظيم من التحريف والتزوير والإفتراء ( تبت يدا أبى لهب وتب ) ، لأن الله تعهد بحفظه فقال : ( إنا نحنُ نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون ) فالله حبس أيدى اليهود عن تحريف القرءان لأنه لا يريد لكتابه الخاتم ان يتعرض لما تعرضت له التوراة والانجيل والكتب الاخرى من تحريف وإستبدال وتغيير وبيع وشراء ، فالآية تتحدث عن أبو لهب وهو أى شخص يحارب القرءان ويرفع لهيب العداء لكلام لله ، وهو كناية عن الاحبار وطقوس القرابين واللهب المشتعل فى أيديهم ليلا وهم يدخلون خلواتهم المريبه ، وهو كناية عن نيران جلسات الليل والتآمر على الانبياء والمؤمنين والكتب ، والتحايل لشراء ثمنا قليل بكلام الله ، فالسورة تقول لن يتكرر ما فعلته الأيدى الكافرة لحاملى اللهب وتبت أى مُنعت وحُبست يد اليهود عن تحريف القرءان لأن الله وعد بحفظه وصيانته ، وحُبست أيديهم واموالهم وما كسبوا عن أذية الرسول وعن أذية القرءان ، لان الله عصم رسولنا الكريم من الناس ، قال الله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بّلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لايهدى القوم الكافرين ) ، ثم أن أموال اليهود التى إكتسبوها بتزوير وتغيير كلام الله لن تغنيهم من عذاب الله ووعيده ، فهو أى ابولهب الذى يحمل لهيب الحقد على الحق وعلى الرسالة السماويه سيصلى نارا ذات لهب ، أى ان نفس اللهب الذى تستعملونه للتآمر على الله ورسله ستُحرقون به وتعذبون به وبما هو اشد لهيب ، ( وإمراته حمالة الحطب فى جيدها حبل من مسد ) ، فقد كان الأحبار والرهبان يكنزون الذهب والفضة ويأكلون أموال الناس بالباطل ، قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا يُنفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) ، وكان أقارب وزوجات رجال الدين والكهان ، وخُدام المعابد يستفيدون من هذه الاموال ، ومنهم من يعطى إمراته الذهب والفضة التى إكتسبها من تزوير الكتاب ، وكانت زوجاتهم تضع تلك الحُلى فى جيدهن ، وتحضرن به طقوس القرابين ومواقد المشاعل وشعائر حملة اللهب ، وكانت بعض الزوجات تشارك بحمل الحطب لمسافات قصيره ، وهن يحطن جيدهن بالقلائد والذهب والفضة المأخوذه بالباطل ، وذهبت بعضهن لتعليق زينتهن ونزعها من جيدهن ووضعها كقرابين ، إما نسب ما جاءت به الآية الى زوجة عم رسولنا صلى الله عليه وسلم ، فالامر فيه اقوال مشوشه ، ففى قريش كانت النساء لاتمارس مهنة التحطيب فقد كان لهن عبيد وخدم وجوارى ، وليس من مهمة نساء قريش التحطيب ، ولم يثبت أن سادة قريش ورجالها يجعلون من نسائهم الحرائر يذهبن للتحطيب ، ثم ان قريش تسكن مكان لا أشجار فيه ولا حطب فمن اين لزوجة عم الرسول بالحطب ، ألم نقرا الآية التى يصف فيها القرءان مكه بأنها أرض جدباء لا زرع فيه ، جاء فى القرءان على لسان نبى الله إبراهيم عليه السلام : ( ربنا إنى أسكنت من ذُريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المُحرّم ربنا ليُقيموا الصلاة فأجعل أفئدةً من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) ، فالأرض حول البيت العتيق حتى يومنا هذا عباره عن جبال لا حطب فيها ، ولا زرع ، ولا أشجار، وحتى الرعى والتحطيب كان يتم خارج مكه ، أى أنه يتطلب عملا شاقا مما يتطلب ان يقوم به العبيد من الرجال والخدم ، أما فى مناطق اليهود فكانت معابدهم محاطه بالاشجار إذ كانوا يبنون معابدهم وأديرتهم فى مناطق مابين النهرين حيث الاشجار وحيث الزرع والتحطيب والاخشاب والتين والزيتون ،ثم إن عقائدهم تحتقر المرأة وتجعل من إشتغالها بالتحطيب نوعا من العقاب لها ، فالمرأة نجسه فى بعض معتقداتهم وتُعزل فى كثير من الاوقات ، وهو ما جعل من إشتغال زوجات اليهود بحمل الحطب وجلبه لمواقد القرابين والذبائح فى محارق المعابد ، أمرا طبيعيا ، وهنا ترتبط القصة ، وهنا يتضح المعنى من السوره ، فتبت تفيد تقييد وحبس الآيدى الكافره ، التى تريد تحريف كتاب الله والعبث به ،لأن الله تكفل بحفظ القرءان وصونه من كل شر، وتب الثانيه تحبس وتُمنع الاموال المكتسبة بالحرام من أذية النور والحق والصد عن سبيل الله ، كما كانت تفعل فى السابق ، فتلك الاموال لن تستطيع مهما عمل أصحابها ان تغير أمر الله أو أن تنجح فى العبث بالكتاب العظيم ( القرءان ) ، وسيمنع الله تلك الاموال وسيحول ويحبط جهود أصحابها الكفار ، ولن يُمكنهم من النيل من الاسلام مهما عملوا ، قال تعالى : ( إن الذين كفروا يُنفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسيُنفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلبون والذين كفروا الى جهنم يُحشرون ) ، وهنا يتضح ان مقدمة السورة تتحدث عن عبث أيدى اليهود بالكتب السماويه ، فأيدى اليهود والمشركين معروفه بأنها دلالة على تحريف كلام الله وشراء الثمن القليل والكسب الحرام والرباء ، وهذا يُبعدنا عن التناقض الخطير الذى صنعه لنا التاريخ ، إذ كيف يُعقل أن أحد آل الرسول الكريم الذى يقوم المسلمين ليل نهار بالدعاء لهم جميعا رضوان الله عليهم ، فى تشهدهم فى الصلوات ، وذلك معروف بصيغته للجميع : ( اللهم صلى على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وسلم ) فلا يُعقل ان يكون أحد أفراد أسرته ممن تشملهم دلالة الآل خارج الدعاء أو مضاد له ، أو ان يكون ملعون بالنص القرءانى ، إذ ان الامر لايستقيم ، والحقيقه أن اليهود أرادوا من وراء القصه ان يطعنوا فى الإسلام ، وأراد الكفار ان يقولوا ان النبي غير قادر على أن يجعل أهله مؤمنين بالقرءان ، فكيف يستطيع ان يُقنع غيرهم ، وارادوا ان يقولوا أن الاسلام لم يكن مرحبا به عند أهل النبي لانهم لم يقتنعوا به ، وإنه إنتشر بقوة السيف ، وأرادوا ان يقولوا ان جزء من آل النبي ملعونون ليسهل التشكيك فى قدرة ونجاح رسولنا ، والتشكيك فى حقيقة ان قريش قد آمنت به ، لأن الله يقول فى كتابه العزيز : ( اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوه فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) أى ان قريش قوم النبى لم يكفروا ، وان من حاربه واخرجه من مكه هم أعداء الله من اليهود الكفاروالمشركين ، ويشير القرءان الى حادثة التآمر والجدل الذى حدث بين قريش واليهود على خلفية ( إيلاف قريش ) وتنفيذ بنود الإتفاق ، فيقول القرءان الكريم : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك أو ليقتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) الانفال 30 ، وهنا نلاحظ شيئا هاما جدا ، وهو ان الذين كفروا درسوا ثلاث إحتمالات ، اولا : التثبيت ( السجن ) ، ثانيا : القتل ، ثالثا : الإخراج والإبعاد ( النفى ) ، وهذه الحادثة التاريخية التى أشار إليها القرءان ، ينبغى التمعن فيها جيدا ، فلقد اجتمعوا للمشاورة في شأن النبى صلى الله عليه وسلم بدار الندوة وهنا سرد التاريخ مادار بدار الندوة - للاسف الشديد - دون ان يقول الحقيقه ، وهى ان بنو إسرائيل طلبوا تطبيق الإتفاق والقاضى بحبس او قتل أو إبعاد من يأتى بما يخالف اليهود ، فالجلسه كانت لتحديد كيفية التعامل مع محمد رسول الله ، لذلك لم تستطع قريش نصرة إبنها ، ولم تستطع التصدى لليهود أو نصرته ، كما أنها لم تقبل بقتله أو حبسه ، لكنها قبلت بإخراجه من مكة المكرمة ، وإبعاده عنها ، ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ...) ، وكما سبق فالكافر هو الذى يعرف الحق ويكفر عنه وهم اليهود أصحاب التوراة ، فهم بزعمهم ان ابو لهب هو عم الرسول يريدون القول بأن الرسول الكريم لم يستطع نشر الدعوة فى منطقته وفى مكه ، وإنه كان يتقاتل مع أهله وقومه ، وأنه دخل مكة بعد ذلك بالقوة والعنف وبقوة السيف ، وبالتالى يعطوا مبررا لهذا الكم من التسفيه والتحريف والأكاذيب فى التاريخ العربي والاسلامى ، واليهود أرادو ان يتنصلوا من الروايات فصنعوا حكايات قابله للتصديق للتشويش على الرسالة السماوية ونسبوها للعرب ، وذلك من أجل إلهاء العقل العربي ، ليحولوا دون إتجاه الناس نحو الحق ، ويُربكوها فى معارك جانبيه ، وإختلافات حول التفاسير والروايات ، دون ان ندرك أن كل ما يختلف الناس حوله هو من عند غير الله ، لأن الله يقول ( أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا ) لكنه تاريخنا المملوء بالمغالطات والأخطاء . ( يتبع ) د بلقاسم عمر اصميده |
|
|
|
|