تنهض خطة الأمين العام للجامعة العربية لإبطال مفعول قرار الاتهام, الذي أصدره المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في حق الرئيس السوداني عمر البشير, وإفساد أثره علي مرحلتين أساسيتين: أولاهما: كسب معركة تعليق القرار لمدة عام قابل للتجديد داخل مجلس الأمن, من خلال وقفة مشتركة, تتعاون فيها الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي علي تنفيذ قرار الاتهام, والطعن علي مصداقيته, وبيان خطأ التوصيف الذي استند إليه قرار اتهام البشير في توجيه اتهامات التطهير العرقي والإبادة الجماعية لقبائل الفور والمساليت والزغاوة الزنجية الأصل التي تسكن دارفور, من خلال استخدامه أجهزة الدولة والجيش والأمن,وميليشيات الجنجويد التي تتشكل من قبائل ذات أصول عربية تسكن جوار دارفور, وكشف المعايير المزدوجة التي قام عليها قرار الاتهام لتجاهله الكامل للجرائم التي ارتكبتها جماعات المتمردين, برغم خطورتها وإعفائه هذه الجماعات من أية مسئولية عن أحداث دارفور, مركزا فقط علي الرئيس البشير ومعاونيه, وإظهار الآثار السلبية الخطيرة علي عملية السلام في دارفور, التي يمكن أن تترتب علي تنفيذ هذا القرار الي حد يهددها بالفشل الكامل واعادتها مرة أخري الي المربع رقم واحد, لأن القرار صب المزيد من الزيت علي نار كادت تصبح رمادا ليشعلها من جديد, خصوصا أن مصالح الدارفوريين تتطلب أن تكون العدالة والقانون في خدمة الاستقرار والسلام, وليست نقيضا لهما تؤدي الي إشعال الأزمة من جديد.
ولا أعرف ـ برغم حواري الطويل مع الأمين العام عمرو موسي ـ مدي ثقته في كسب هذه المعركة, لكن الأمين العام يعتقد أن مجلس الأمن المخول وحده بتعليق قرار الاتهام الذي صدر عن المدعي العام لا يستطيع أن يتجاهل موقفا واضحا واحدا, تتطابق فيه مواقف الجامعة العربية ومواقف الاتحاد الإفريقي علي نحو يكاد يكون كاملا, خصوصا اذا ذهب الطرفان الي مجلس الأمن كتفا يساند كتفا في إطار موقف واحد ووفد واحد يرأسه رئيس المفوضية الإفريقية جون بنج وأمين الجامعة العربية عمرو موسي.
لكن الأمين العام يعتقد أن كسب معركة تعليق القرار لمدة عام قابل للتجديد هو الجزء الأسهل الذي يمهد لمرحلة ثانية هي الأصعب والأشد حساسية, ينبغي أن تؤدي بالضرورة الي تغيير صورة الواقع الراهن علي أرض دارفور الي الأفضل, وتتطلب تعاونا كاملا وشفافا من جانب حكومة الخرطوم, والتزاما واضحا بمسئوليات محددة تم الاتفاق علي اطارها العام في اللقاء الذي تم بين الرئيس البشير والأمين العام للجامعة العربية, يدخل من بينها إحياء الحوار الدارفوري ـ دارفوري, وإجراء مصالحة واسعة تشمل كل القبائل الدارفورية, العربية الأصل والزنجية الأرومة, وجمع كل الأطراف ـ المتمردون والمتصالحون وحكومة الخرطوم ـ مرة أخري علي مائدة التفاوض للنظر في أحكام تطبيق بنود معاهدة أبوجا, التي حددت شروط تسوية الأزمة الدارفورية, وإعادة دراسة بعض المطالب التي لايزال يتمسك بها الدارفوريون, وفي مقدمتها اعتبار دارفور إقليما متكاملا وليس مجرد تجمع لسبع ولايات, وترفيع ممثل دارفور في مجلس الرئاسة السوداني الي نائب الرئيس بدلا من مساعده ليتساوي وضعه مع وضع سلفا كير قائد جنوب السودان الذي يشغل منصب النائب الأول للبشير, والبحث في أسلوب تعويض المواطنين المحليين عن الخسائر التي لحقت بهم علي امتداد سنوات الحرب الأهلية الخمس.., ويسبق ذلك كله التزام محدد بأن يقوم القضاء السوداني من خلال محاكم خاصة بمحاكمة كل الذين ارتكبوا أيا من جرائم الحرب وحقوق الإنسان في دارفور, ابتداء من الخفير الي الرئيس, علي حد التعبير الذي استخدمه البشير في حواره مع عمرو موسي, بمن في ذلك أحمد هارون وزير الدولة وموسي هلال رئيس ميليشيا الجنجويد,
اللذان صدر بحقهما قرار اتهام سابق من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية, لكن حكومة الخرطوم أخفقت في الاستجابة للقرار, إضافة الي التزام آخر يتطلب من الهيئة التشريعية لدولة السودان ممثلة في البرلمان تضمين القانون الوطني السوداني نصوصا تشريعية جديدة تجرم التطهير العرقي والإبادة الجماعية, مسترشدا بالقانون العربي النموذجي للجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية والذي اعتمده مجلس وزراء العدل العرب في نوفمبر عام2005, بحيث تسري أحكام هذه القوانين علي المدنيين والعسكريين علي حد سواء.
ويثق الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي, في أن التنفيذ الأمين من جانب حكومة الخرطوم لأجندة اصلاح واسعة في دارفور تغير الواقع الراهن خلال فترة تعليق قرار توقيف الرئيس البشير كفيل بتغيير موقف المجتمع الدولي من حكومة الخرطوم, وتحسين صورة الرئيس السوداني, التي دأب الاعلام الغربي علي تشويهها بهدف ايجاد مثال آخر لصدام حسين في العالم العربي يتحتم التخلص منه!
وثمة ما يشير الي أن حكومة الخرطوم قد التزمت, إضافة الي إجراءات ضمان تحقيق العدالة ومحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب أمام محاكم خاصة سودانية, بالعمل داخل إطار مشترك مع كل من الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي, علي إجراء مصالحة بين القبائل الدارفورية ذات الأصول العربية, التي تعمل بالرعي والقبائل ذات الأصول الزنجية الفور والمساليت والزغاوة, التي تعمل بالزراعة, وتنظيم العلاقة بينهما, خصوصا في مواسم الجفاف عندما يضطر الرعاة الي النزوح جنوبا بحثا عن الماء والعشب, ويتسبب ذلك في إثارة المشكلات مع القبائل الزنجية, لأن ذلك هو جوهر مشكلة الخلاف الدارفوري الذي انقلب الي حرب أهلية, إضافة الي تسهيل الإجراءات التي تمكن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي, من الانتشار في المنطقة والقيام بواجبها في حماية المدنيين, ونزع أسلحة القبائل المتصارعة في مرحلة لاحقة, وتوفير إمكان حصول هذه القوات علي معداتها واحتياجاتها دون تكلؤ, غالبا ما يكون مصدره الإجراءات المتباطئة للبيروقراطية السودانية, وأخيرا, القبول بآلية عربية إفريقية تستطيع متابعة تنفيذ هذه الإجراءات علي الأرض.
غير أن اجتثاث جذور المشكلة الدارفورية يتطلب أيضا إصلاح علاقات الجوار بين السودان وجاراته الإفريقيات, خصوصا تشاد التي تشكل موطنا مشتركا لجزء كبير من قبائل الزغاوة التي تسكن مناطق الحدود المشتركة بين البلدين, وإلزام كل من السودان وتشاد بعدم التدخل في الشئون الداخلية للطرف الآخر, وامتناع كل منهما عن مساندة المتمردين ضد الطرفين, وفي هذا السياق ربما يكون ضروريا أن تدعو الجامعة العربية الي عقد لقاء قمة إقليمية تجمع رؤساء مصر وليبيا والسودان وتشاد, لتعزيز فرص استقرار اقليم دارفور الذي تربطه حدود مشتركة بالدول الثلاث, لأنه بدون تغيير صورة الواقع علي الأرض في دارفور خلال فترة تعليق قرار الاتهام, يصعب اسقاط قرار المدعي العام, كما أنه بدون حشد الأدلة والوقائع والأسانيد التي تفند قرار المدعي العام واثبات افتقاده للحيدة والموضوعية, سوف يكون من الصعب استصدار قرار من مجلس الأمن بتعليق تنفيذ قرار الاتهام الذي صاغه المدعي العام لويس مورنيو أوكامبو, متهما الرئيس البشير بارتكاب جرائم قتل لمجموعات عرقية من قبائل الفور والمساليت والزغاوة بقصد اهلاكها الفعلي جزئيا من خلال عمليات هجوم منظم وواسع النطاق علي المدنيين, بواسطة أجهزة الدولة السودانية الجيش والأمن وميليشيات الجنجويد.
وبرغم اعتراف تقرير المدعي العام بأن هناك نزاعا مسلحا بدأ بعمليات تمرد واسعة النطاق في دارفور منذ عام2003, أوجبت علي حكومة الخرطوم أن تستخدم القوة من أجل الدفاع عن نفسها ضد حركات المتمردين, إلا أن المدعي العام يصر في قرار اتهامه علي أن الجرائم التي جرت في دارفور ليست مجرد أضرار جانبية لحملة عسكرية سودانية اضطرت لها حكومة الخرطوم لقمع التمرد, ولكنها عمل منهجي منظم ضد هذه التجمعات العرقية, ينطوي علي جرائم القتل والاغتصاب الجماعي والتهجير القسري والاهلاك الجماعي والتدمير الشامل لكل صور الحياة, بما في ذلك القري والمساكن والمحاصيل والماشية ومضخات الري, الأمر الذي أدي الي مقتل أكثر من35 ألفا وتهجير ما يزيد علي مليونين ونصف المليون مواطن خارج أراضيهم.
ومع أن قرار الاتهام يشير الي أن مكتب المدعي العام استند في قراره الي إفادات بعض الشهود, إضافة الي عدد من الوثائق من بينها تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة, إلا أن الثابت والمؤكد أن اتهام الرئيس البشير وحكومته بارتكاب جرائم تطهير عرقي وقتل جماعي منظم لقبائل الفو والمساليت والزغاوة, لم يرد في أي من وثائق التحقيق الذي أجرته الأمم المتحدة, أو الذي أجرته لجنة الجامعة العربية2004, كما أن هذه الاتهامات لم يرد ذكرها في أي من التقارير أو الأدبيات التي صدرت عن الأمم المتحدة حول قضية دارفور, ولكنها وردت فقط في بعض تقارير الإعلام الغربي وبعض رجال الكونجرس الأمريكي الذين زاروا المنطقة, وتثبت محاضر اجتماعات المفوضية الإفريقية خلال هذه الفترة ـ والتي كان يرأسها الرئيس النيجيري السابق أوبا سانجو ـ رفض الاتحاد الإفريقي القاطع لتصوير ما حدث علي أنه نزاع عربي زنجي, أو أنه يمثل جرائم تطهير عرقي وقتل جماعي.
ويثبت تقرير بعثة الجامعة العربية التي رأسها السفير سمير حسني, التي زارت دارفور في غضون شهر مايو عام2004, بعد اندلاع أحداث الصدام بين الحكومة والمتمردين, أن هذه الأحداث كان لها آثار سلبية علي الوضع الإنساني في دارفور, الأمر الذي أدي الي نزوح الآلاف من اللاجئين المحتاجين للغذاء والكساء والأمن والدواء, وأن عشرات القري التي كانت بمثابة مأوي لقوات المتمردين قد تعرضت للحرق والتدمير, كما تعرض سكانها لانتهاكات جسيمة في مجال حقوق الانسان, قامت بها ميليشيات الجنجويد التابعة للقبائل الرعوية ذات الأصول العربية, لكن التقرير يؤكد أن بعثة الجامعة العربية لم تلمس خلال تفقدها للأوضاع في دارفور ما يشير الي ارتكاب عمليات إبادة جماعية أو تطهير عرقي, إلا أن هناك انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وما من شك في أن قضية توقيف الرئيس البشير قضية شائكة وصعبة, تتداخل فيها عوامل قانونية وسياسية, كما تتداخل فيها تأثيرات دولية وإقليمية, تحكمها استراتيجيات مختلفة, تجعل من المتعذر الوصول الي إجماع داخل مجلس الأمن يساند قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية, وإن يكن من الممكن المساومة علي حلول وسط تلتقي عندها مصالح الخمس الكبري, الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن, لكن ما من شك أيضا في أن القضية تحتاج الي جهد وطني سوداني تشارك فيه كل القوي السودانية, لأن توقيف رئيس سوداني يمارس سلطاته وطلب اعتقاله يمثل خطا أحمر, غير أن المطلوب من الداخل السوداني ليس فقط مجرد إظهار الغضب من قرار الاتهام والاحتجاج علي صدوره, ولكن السعي الجاد لتغيير صورة السودان في أذهان المجتمع الدولي وإبراز حقيقته الأصلية, وطنا للتسامح, تعلو فيه حقوق المواطنة علي أية انتماءات أخري, يحافظ علي تنوع عناصره الثقافية والسكانية ويحفظ وحدتها, بحيث تنتظم جبهته الداخلية مشاركة واسعة لكل القوي الوطنية والسياسية, تضع ضمن أولوياتها احترام حقوق الإنسان, والاعتذار عن الجرائم التي ارتكبت في حق أبناء الشعب السوداني, والمحافظة علي دور السودان ووجهته, ليس فقط باعتباره وطنا عربيا, ولكن باعتباره وطنا عربيا إفريقيا زنجيا, دوره الحقيقي أن يكون همزة وصل بين شمال القارة وجنوبها, وجسرا للتواصل بين الثقافات العربية والإسلامية والزنجية,.. فهل تستطيع حكومة الخرطوم أن تنهض بهذه المهمة؟! |